التعرّف إلى FAH UIN Jakarta: من تشيبوتات إلى حضارة العالم
الكاتب: أنديكا
عندما يُذكر اسما نورتشوليش مجيد أو أزيوماردي أزرا، يعرفهما المجتمع الإندونيسي بوصفهما مفكّرَين مسلمَين تجاوزت أفكارهما حدود قاعات الدراسة الجامعية. غير أن ما لا يعرفه الجمهور دائمًا هو أن هاتين الشخصيتين تنتميان إلى مؤسسة واحدة، وهي كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا. فإذا كانت كلية ما قادرة على تخريج مفكرين بهذا المستوى، فإن ذلك يدل على أن أمرًا جادًّا ومهمًّا يجري داخلها، وهذا ما ينبغي أن يعرفه كل من يفكر في اختيار وجهته لمواصلة التعليم العالي.
من ADIA إلى FAH: رحلة طويلة لمؤسسة عريقة
تأسست كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا في الأول من يونيو عام 1957، بوصفها جزءًا من أكاديمية الخدمة للعلوم الدينية، المعروفة اختصارًا باسم ADIA، والتي تأسست في الوقت نفسه استنادًا إلى قرار وزير الشؤون الدينية رقم 1 لسنة 1957. في ذلك الوقت، لم تكن تعمل إلا كليتان فقط، هما كلية الآداب وكلية علوم التربية، ولذلك تُعد هذه المؤسسة إحدى الركائز الأولى لنظام التعليم الإسلامي العالي في إندونيسيا. وعندما تحولت ADIA إلى المعهد الإسلامي الحكومي، المعروف باسم IAIN، عام 1960 بموجب قرار وزير الشؤون الدينية في جمهورية إندونيسيا رقم 35 لسنة 1960، أصبحت كلية الآداب قائمة رسميًّا، وكان الأستاذ الدكتور بستامي عبد الغني أول عميد لها.
ولم تتوقف رحلة التحول عند ذلك الحد. ففي عام 2002، تحولت هذه الكلية إلى كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مع إضافة ثلاثة برامج دراسية جديدة مرتبطة بمجال العلوم الإنسانية، ثم أُضيف برنامجان للماجستير في عام 2012. ولم يكن تغيير الاسم مجرد تغيير في التسمية الرسمية، إذ إن كل إضافة لبرنامج دراسي كانت تعكس استجابة المؤسسة لاحتياجات المجتمع وتطور المعرفة. ومن ثم، فإن كلية الآداب والعلوم الإنسانية اليوم هي ثمرة تراكم خبرة تمتد لأكثر من ستة عقود في إدارة التعليم الإنساني القائم على القيم الإسلامية والإندونيسية.
البرامج الدراسية، والمناهج، والتميّز الأكاديمي
تضم كلية الآداب والعلوم الإنسانية حاليًّا سبعة برامج دراسية، منها خمسة برامج في مرحلة البكالوريوس وبرنامجان في مرحلة الماجستير. أما برامج البكالوريوس الخمسة فهي: برنامج اللغة العربية وآدابها، الذي تأسس عام 1960؛ وبرنامج التاريخ والحضارة الإسلامية، الذي تأسس عام 1960؛ وبرنامج الترجمة، الذي تأسس عام 1999؛ وبرنامج علم المكتبات، الذي تأسس عام 1999؛ وبرنامج الأدب الإنجليزي، الذي تأسس عام 2000. أما برنامجا الماجستير المتاحان فهما: ماجستير اللغة العربية وآدابها، وماجستير التاريخ والثقافة الإسلامية، وقد بدأ كلاهما نشاطه منذ عام 2012.
صُمم منهج كل برنامج دراسي من خلال مقاربة لا تفصل بين العلوم الدينية والعلوم العامة. وتتبنى كلية الآداب والعلوم الإنسانية مقاربة شمولية ومتعددة التخصصات من أجل استكشاف الإمكانات الفكرية لدى الطلاب، وإثراء رؤيتهم العلمية، وتحفيز التفكير النقدي لديهم، مع التركيز على الدراسات التي تتناول جوانب الإنسان مثل اللغة، والثقافة، والتاريخ، والفلسفة، والأدب. وتمثل هذه المقاربة عنصر تميز رئيسي للكلية مقارنة بكليات العلوم الإنسانية في الجامعات العامة، لأن القيم الإسلامية لا تُدرج بوصفها إضافة شكلية، بل تُعد أساسًا للمنظور المعرفي في كل دراسة. كما يشكل المنهج الدراسي، إلى جانب وجود أساتذة تخرجوا في أفضل الجامعات العالمية، أساس تفوق الكلية في تقديم تعليم إنساني قائم على التكامل بين العلوم وسياقها الإسلامي والإندونيسي.
رؤية عالمية بجذور إسلامية راسخة
إذا كان هناك أمر واحد يميز كلية الآداب والعلوم الإنسانية عن كثير من المؤسسات المشابهة في إندونيسيا، فهو رؤيتها بعيدة المدى ذات التوجه الدولي من دون التخلي عن هويتها الإسلامية. وتتمثل رؤية الكلية في أن تصبح كلية مرموقة عالميًّا في مجال الدراسات الإنسانية، مع التميز في تكامل العلوم الإسلامية، والقيم الإندونيسية، والعلوم الحديثة. ولا تُعد هذه الرؤية مجرد عبارة مكتوبة، إذ يمكن رؤية تطبيقها من خلال سجل خريجيها والشبكات الدولية التي بنتها الكلية. فقد أقامت الكلية تنسيقًا وتعاونًا مع أساتذة دوليين، وجامعات، وسفارات، ومبادرات متعددة لتبادل الخبرات، وأفضل الممارسات، والتجارب من خلال الندوات والمؤتمرات الدولية.
ومن أبرز الإنجازات الأكاديمية التي كثيرًا ما يُشار إليها الاعتراف الإقليمي ببرنامج التاريخ والحضارة الإسلامية. ففي عام 2017، حصلت كلية الآداب والعلوم الإنسانية على اعتراف بوصفها كلية معترفًا بها على مستوى جنوب شرق آسيا، وذلك من خلال تمثيل برنامج التاريخ والحضارة الإسلامية في مرحلة البكالوريوس. ويُعد هذا الاعتراف مهمًّا لأنه يدل على أن المعايير الأكاديمية التي تطبقها الكلية لا تظل ذات صلة على المستوى الوطني فحسب، بل تؤخذ أيضًا في الاعتبار ضمن خريطة تعليم العلوم الإنسانية في منطقة رابطة دول جنوب شرق آسيا. وقد حصلت جميع البرامج الدراسية على الاعتماد الوطني من BAN-PT، كما حصل برنامج التاريخ والحضارة الإسلامية على اعتراف من AUN-QA.
تخريج مفكرين لا مجرد خريجين
إن جودة أي كلية تظهر بوضوح من خلال الشخصيات التي درست فيها. فقد تخرج في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا عدد من أبرز المفكرين المسلمين في إندونيسيا، من بينهم أزيوماردي أزرا، ونورتشوليش مجيد، وفخري علي، الذين يمكن تتبع أثر أعمالهم حول الإسلام الشامل والمنفتح ضمن التقليد المعروف باسم “مدرسة تشيبوتات” داخل إندونيسيا وخارجها. ويُعرف نورتشوليش مجيد بوصفه شخصية رائدة في تجديد الفكر الإسلامي الإندونيسي، بينما أصبح أزيوماردي أزرا عالمًا معترفًا به دوليًّا في مجال التاريخ والحضارة الإسلامية، بل كان أول إندونيسي يحصل على وسام CBE، أي قائد رتبة الإمبراطورية البريطانية، من المملكة المتحدة تقديرًا لإسهاماته في تعزيز العلاقات بين الأديان على المستوى العالمي.
ولم يتوقف هذا الإرث الفكري عند جيل الرواد. ففي الوقت الحاضر، تضم كلية الآداب والعلوم الإنسانية عددًا من الأساتذة الكبار النشطين والمنتجين في البحث والنشر العلمي، من بينهم الأستاذ الدكتور عُمان فتح الرحمن، المعروف بدراساته في المخطوطات الإسلامية في أرخبيل نوسانتارا؛ والأستاذة أميليا فوزية، المعروفة بدراساتها في مجال العمل الخيري الإسلامي؛ والأستاذ الدكتور شكرون كامل، المتخصص في الأدب والفكر الإسلامي. ويسهم وجود هؤلاء الأساتذة في بناء بيئة أكاديمية تشجع الطلاب على التفكير الجاد وإنتاج بحوث ذات معنى وقيمة.
وفي النهاية، فإن اختيار مكان الدراسة قرار يؤثر في اتجاه حياة الإنسان على المدى الطويل، ولا يمكن فصل هذا الاختيار عن السؤال المتعلق بالقيم التي يريد المرء أن يحملها والكفاءات التي يرغب في تطويرها. وتقدم كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا نفسها بوصفها إجابة لأولئك الذين يريدون فهم العالم من خلال عدسات اللغة، والتاريخ، والأدب، وفي الوقت نفسه لا يريدون فقدان جذورهم في القيم الإسلامية والإندونيسية خلال رحلتهم الأكاديمية. وبسجل يمتد لأكثر من ستة عقود، وشبكات دولية حقيقية، وخريجين أسهموا في تشكيل الخطاب الوطني، لا تُعد هذه الكلية مجرد مكان لاكتساب المعرفة، بل فضاءً يمكن للإنسان أن ينمو فيه ليصبح مثقفًا نافعًا للحضارة.
المراجع
Azra, A. (2004). The Origins of Islamic Reformism in Southeast Asia: Networks of Malay-Indonesian and Middle Eastern 'Ulama' in the Seventeenth and Eighteenth Centuries. Allen & Unwin and University of Hawaii Press.
Effendy, B. (Ed.). (1993). Dekonstruksi Islam Mazhab Ciputat. Zaman.
Fakultas Adab dan Humaniora UIN Jakarta. (2023). Profil FAH. https://fah.uinjkt.ac.id/id/profil
Fakultas Adab dan Humaniora UIN Jakarta. (2023). Sejarah FAH. https://fah.uinjkt.ac.id/id/sejarah
Fakultas Adab dan Humaniora UIN Jakarta. (2021). Visi, Misi, dan Tujuan. https://fah.uinjkt.ac.id/visi-misi-dan-tujuan
Madjid, N. (1992). Islam, Doktrin, dan Peradaban. Paramadina.
UIN Syarif Hidayatullah Jakarta. (2022). Adab dan Humaniora. https://www.uinjkt.ac.id/fakultas-adab-dan-humaniora
UIN Syarif Hidayatullah Jakarta. (2024). Mazhab Ciputat: A Reconstruction. https://uinjkt.ac.id/en/mazhab-ciputat-a-reconstruction
