من مضيق ملقا إلى إنستغرام: دراسة اتجاه التعارف عبر الإنترنت في الجينالوجيا التاريخية للإسلام في نوسانتارا
المؤلف: لُطفية الزهراء
كانت ملقا في القرن الخامس عشر منطقةً ذات أهمية كبيرة وأسهمت بشكل كبير في التطور التاريخي في إندونيسيا، وكانت مدينةً مكتظة بالسكان. تخيّلوا صخب القرن الخامس عشر على طول مضيق ملقا، أحد أكثر الموانئ التجارية ازدحامًا في العالم آنذاك. كانت هذه المدينة تمتلك ميناءً يرتاده تجار من مناطق مختلفة باستمرار. ومنذ القرن الأول الميلادي، كان مضيق ملقا يعمل كطريق رئيسي يربط مناطق شرق آسيا مثل الصين بمناطق جنوب وغرب آسيا مثل الهند وفارس. وبفضل موقعه الاستراتيجي، أصبح المضيق بوابةً رئيسيةً لدخول وخروج التجار. لكن المثير للاهتمام أن مضيق ملقا لم يكن مجرد مركز تجاري دولي، بل كان أيضًا مركزًا لانتشار الإسلام في أرخبيل نوسانتارا، وكان من بين وسائل ذلك الزواج بين التجار المسلمين والسكان المحليين.
إن الموقع الاستراتيجي لملقا كنقطة التقاء بين التجار العرب والفرس وتجار نوسانتارا خلق مساحةً للتفاعل الاجتماعي. وقد أقام العديد من التجار المسلمين إقامة مؤقتة أو دائمة في هذه المنطقة. وكان هؤلاء التجار المسلمون في الغالب من ذوي المكانة الاقتصادية المرموقة، وقد تزوجوا من نساء محليات، بما في ذلك بنات النبلاء أو العائلات الملكية. وفي تاريخ أسلمة إندونيسيا، يتفق المؤرخون مثل عزيّ الدين أزرا وسارتونو كارتوديرجو على أن الزواج كان أحد أكثر وسائل الأسلمة سلمية وفعالية واستدامة. وعندما كان العلماء والتجار المسلمون يتوقفون في المدن الساحلية مثل ساموديرا باساي وملقا وتوبان، لم يكن نشاطهم مقتصرًا على التجارة فقط، بل كثير منهم تزوجوا من بنات النبلاء أو من السكان المحليين.
تضع الكتابات التاريخية لأسلمة الأرخبيل “مسار الزواج” كأحد أكثر الوسائل سلمية وفعالية في نشر الإسلام. ففي الماضي، كان اتحاد شخصين من خلفيات ثقافية مختلفة في الموانئ التجارية يؤدي إلى نشوء مجتمعات إسلامية جديدة قوية. وكان التجار الأجانب يقيمون لعدة أشهر في الموانئ بانتظار تغير الرياح الموسمية للعودة إلى أوطانهم. وخلال هذه الفترة، كانوا يشكلون مجتمعات سكنية بسيطة تُعرف باسم “بيكوجان” (للتجار المسلمين)، ومن هذه المجتمعات بدأت التفاعلات الاجتماعية مع السكان المحليين. وكذلك كان التجار الصينيون. فقد كانت قوانين الإمبراطورية الصينية، خاصة في عهد أسرتي مينغ وتشينغ، تمنع النساء من مغادرة أرض الوطن بشكل صارم، ولذلك كانت السفن التجارية الصينية الوافدة إلى مضيق ملقا تضم رجالًا فقط. وهذا دفعهم إلى البحث عن زوجات في البلاد الأجنبية لاستمرار النسل. وكانوا يتواصلون مع العائلات المحلية (المالاوية أو الجاوية أو الباتاك في مناطق الموانئ) عبر وسطاء أو خطّاب.
لننتقل إلى الحاضر، في عصر أصبحت فيه الهواتف الذكية امتدادًا للإنسان، وانتقل “سوق الزواج” إلى الشاشات الرقمية. ومع تطور التكنولوجيا، حلت المنصات الرقمية محل أماكن اللقاءات المادية. فإذا كانت الموانئ ومراكز التجارة قديمًا أماكن التقاء الناس من مناطق مختلفة، فإن وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية تقوم اليوم بالدور نفسه. وقد ظهرت العديد من حسابات التعارف (التعارف الشرعي) على إنستغرام، حيث يسجل مئات بل آلاف من الرجال والنساء أنفسهم عبر تقديم سير ذاتية قصيرة مثل الاسم والعمر ومكان الإقامة ومعايير الشريك المطلوب. وهم يأملون أن تقوم الخوارزميات بتقريبهم من شريك يتوافق معهم دينيًا وقيميًا. وإذا عدنا إلى الماضي، نجد أن الزواج في مضيق ملقا بين أشخاص من خلفيات ثقافية مختلفة تم أيضًا عبر طرق التجارة التي جمعت بين قلبين.
هذه الظاهرة تبدو حديثة للغاية، بل مستقبلية. ومن خلال انتشار حسابات التعارف على إنستغرام، يعيد الجيل المسلم الحديث إنتاج الأنماط القديمة في قالب جديد. وفي القرن الحادي والعشرين، لم تختفِ غريزة الحفاظ على الهوية الدينية، بل تغيّر وسيطها فقط. ومع التقدم التكنولوجي أصبح العثور على شريك ممكنًا دون لقاء مباشر كما كان في ملقا قديمًا، بل عبر الشاشات الرقمية فقط.
يُظهر هذا المقال أن تغير الزمن وتطور التكنولوجيا لا يغيران الحاجة الأساسية للإنسان في بناء العلاقات وتكوين الأسرة، بل يغيران فقط طريقة حدوث ذلك. فالتفاعلات الاجتماعية بين التجار في ملقا في القرن الخامس عشر لم تنتج علاقات اقتصادية فقط، بل أدت أيضًا إلى الزواج. وفي العصر الرقمي في القرن الحادي والعشرين لم يختفِ هذا النمط، بل تحول شكله. وإذا كان اختيار الشريك يتم سابقًا عبر اللقاء المباشر في الموانئ التجارية مثل ملقا، فإنه اليوم يتم عبر المنصات الرقمية مثل إنستغرام من خلال حسابات التعارف. ولذلك يمكن اعتبار هذا التحول شكلًا من أشكال التكيف الاجتماعي مع تطور الزمن. وعلى الرغم من اختلاف الوسائل، فإن الجوهر يبقى واحدًا: خلق مساحات لقاء تُمكّن من تكوين العلاقات الإنسانية.
مصادر الصور: @taaruf_an و @taarufanofficial
المراجع:
Azra, A. (2004). Jaringan Global dan Lokal Islam Nusantara. Mizan.
Rakhman, A. S., Handayani, Y., & Bahktiar, A. (2025). Perdagangan di Selat Malaka pada masa pendudukan VOC 1786-1800. JEJAK: Jurnal Pendidikan Sejarah & Sejarah FKIP Universitas Jambi, 5(1), 108.
Supriatna, A. (2021). Peran Pelabuhan dan Angin Muson dalam Membentuk Jaringan Perdagangan Islam di Selat Malaka. Jurnal Sejarah Maritim Nusantara, 3(2), 112-125.
Aisyah, F., & Diyanto, R. (2025). Selat Malaka, Titik Tumpu Akulturasi Budaya Empat Kawasan (Asia Selatan, Asia Timur, Asia Barat dan Asia Tenggara). Majalah Ilmiah Tabuah, 29(1), 67.
