كيف ينبغي للملك أن يحكم؟ كتاب «بستان السلاطين» يحمل الجواب
كيف ينبغي للملك أن يحكم؟ كتاب «بستان السلاطين» يحمل الجواب

الكاتبة: إيسيل ماواتي
طالبة في برنامج دراسة تاريخ الحضارة الإسلامية، جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا

كيف ينبغي للقائد أن يستخدم سلطته؟ كثيرًا ما يُطرح هذا السؤال في الحياة المعاصرة، غير أن الإجابة عنه قد صاغها أحد علماء آتشيه قبل أكثر من ثلاثة قرون. فمن خلال كتاب بستان السلاطين، يقدم نور الدين الرانيري تصورًا متكاملًا للقائد المثالي، الذي لا يتصف بالقوة فحسب، بل يتحلى كذلك بالعدل، ويتحمل مسؤوليته تجاه رعيته.

وقد نشأت هذه الأفكار في الفترة التي بلغت فيها سلطنة آتشيه أوج ازدهارها بوصفها إحدى أعظم الممالك الإسلامية في جنوب شرق آسيا. ومن ثم، فإن بستان السلاطين لا يُعد مجرد مؤلف أدبي وتاريخي، بل يمثل أيضًا انعكاسًا لرؤية المجتمع الآتشيهي لمفهوم القيادة المثالية.

التعريف بكتاب بستان السلاطين

ألّف كتاب بستان السلاطين العالم نور الدين الرانيري، وهو عالم مسلم من أصل كجراتي قدم إلى آتشيه في عهد السلطان إسكندر ثاني. ويُعد الرانيري في التاريخ الفكري للعالم الملايوي من أبرز العلماء الذين كان لهم أثر بالغ في تطور الفكر الإسلامي الملايوي.

ويضم الكتاب العديد من القصص المتعلقة بالأنبياء، والملوك، ونظم الحكم، فضلًا عن الوصايا الأخلاقية الموجهة إلى الحكام. ولم يقتصر الرانيري على سرد الوقائع التاريخية، بل عرض من خلالها رؤيته لكيفية ممارسة الحاكم لسلطته وأداء مسؤولياته.

وفي نظر المجتمع الآتشيهي آنذاك، لم يكن الملك مجرد صاحب سلطة سياسية، بل كان يُنظر إليه بوصفه حارسًا للنظام، وحاميًا للرعية، ومقيمًا لقيم الإسلام في حياة الدولة.

وفضلًا عن ذلك، قُسِّم كتاب بستان السلاطين إلى سبعة كتب (أبواب كبرى)، تناولت موضوعات متنوعة، منها خلق الكون، وقصص الأنبياء، وتاريخ الملوك، وأخلاقيات الحكم، والوصايا الأخلاقية الموجهة إلى الحكام. ويكشف هذا البناء عن قناعة الرانيري بأن شؤون الحكم لا تنفصل عن تعاليم الدين والتجارب التاريخية. ففهم مسيرة الأنبياء والملوك السابقين يُعد وسيلة يستفيد منها الحاكم لاستخلاص العبر من نجاحاتهم وإخفاقاتهم في أداء أمانة السلطة.

ومن خلال هذا المنهج، جعل الرانيري من التاريخ ليس مجرد سجل لأحداث الماضي، بل وسيلة للتربية السياسية والأخلاقية. فخبرات الحكام السابقين تصبح مرآة يسترشد بها الملك لبناء حكومة قائمة على العدل، وتجنب الظلم، واستحضار أن كل سلطة سيسأل عنها أمام الله سبحانه وتعالى.

العدالة أساس القيادة

تُعد العدالة إحدى أبرز الرسائل التي يؤكد عليها كتاب بستان السلاطين. ويرى نور الدين الرانيري أن الملك العادل يجلب الرخاء والطمأنينة لرعيته، بينما يشكل الظلم بداية تراجع الدولة وانحدارها.

ويتفق هذا التصور مع التراث السياسي الإسلامي الذي يجعل العدالة الأساس الذي تقوم عليه إدارة شؤون الحكم. وفي هذا السياق، لا تُعد السلطة وسيلة لتحقيق المصالح الشخصية، وإنما هي أمانة يجب توظيفها لتحقيق المصلحة العامة وخدمة المجتمع.

ويبدو أن هذا المبدأ قد تجسد أيضًا في ممارسات الحكم في سلطنة آتشيه. ففي عهد السلطان إسكندر مودا (1607–1636)، ازدهرت آتشيه حتى أصبحت واحدة من أكبر مراكز التجارة والقوة السياسية في جنوب شرق آسيا. ويشير دينيس لومبار إلى أن نجاح آتشيه في عهد السلطان إسكندر مودا استند إلى قدرة الدولة على الحفاظ على الاستقرار السياسي وإدارة أقاليمها بكفاءة وفاعلية.

ومن منظور الرانيري، لا تقتصر العدالة على تطبيق القانون فحسب، بل تشمل وضع كل فرد في موضعه الصحيح، ومنحه حقوقه وإلزامه بواجباته بصورة متوازنة. فعلى الحاكم أن يحمي الفئات الضعيفة، ويتجنب إساءة استخدام السلطة، ويضمن أن تحقق السياسات التي يتخذها المصلحة العامة للمجتمع. ومن ثم، فإن شرعية الحاكم لا تستند إلى النسب أو القوة السياسية وحدهما، بل إلى قدرته على إقامة العدل بين الناس.

وتكشف هذه الرؤية عن الارتباط الوثيق بين مفهوم العدالة في بستان السلاطين ومبدأ العدل في الفكر السياسي الإسلامي. فالعدالة هي الركيزة الأساسية التي تقوم عليها استمرارية الدولة؛ فإذا تحقق العدل، نالت الدولة ثقة المجتمع، أما إذا انتشر الظلم واستمر، فإن انهيار الدولة يصبح أمرًا يكاد يكون حتميًا.

لا ينبغي للملك أن يبتعد عن رعيته

إلى جانب العدالة، يؤكد الرانيري أن الحاكم ينبغي أن يهتم برفاهية رعيته. فهو يرى أن نجاح الملك لا يُقاس باتساع رقعة مملكته أو كثرة ثرواتها، وإنما بحالة المجتمع الذي يتولى قيادته ومدى ازدهاره.

وتكتسب هذه الفكرة أهمية خاصة لأنها تدل على أن العلاقة بين الحاكم والمحكوم كانت محل اهتمام منذ العصور الماضية. فالملك المثالي ليس ذلك الذي يكتفي بالبقاء في قصره، بل هو القائد الذي يدرك احتياجات شعبه ويسعى إلى توفير حياة أفضل لهم.

كما نجد صورة الحاكم القريب من مصالح الدولة والرعية في كتاب حكاية آتشيه. ففي هذا النص، يُصوَّر السلطان إسكندر مودا بوصفه حاكمًا ذا هيبة عظيمة، يتمتع بقدرة متميزة على إدارة شؤون المملكة. وقد كان نجاحه في توسيع حدود الدولة والحفاظ على استقرار آتشيه من أبرز الأسباب التي جعلته يُخلَّد بوصفه أعظم حكام سلطنة آتشيه دار السلام. ويكشف هذا التصوير عن أن المجتمع الآتشيهي كان يعد القدرة على القيادة وصون رخاء البلاد من أهم المعايير التي يُقاس بها الحاكم الصالح.

وخلال عصر ازدهارها، أصبحت آتشيه مركزًا تجاريًا دوليًا مزدهرًا، يفد إليه التجار من مختلف الأقاليم، الأمر الذي وفر مكاسب اقتصادية كبيرة للمملكة، وعزز مكانتها ضمن شبكة التجارة العالمية.

ويبين أنطوني ريد أن الموقع الاستراتيجي لآتشيه على طرق التجارة في المحيط الهندي جعلها واحدة من أهم المراكز الاقتصادية والسياسية في جنوب شرق آسيا خلال القرن السابع عشر.

أهمية دور العلماء في الحكم

في فكر نور الدين الرانيري، لم يكن المقصود من مكانة العلماء أن يحلوا محل السلطة السياسية أو يستولوا عليها، وإنما أن يكونوا شركاء أخلاقيين للحاكم. ويتمثل دورهم في تقديم النصح، وتنبيه الحاكم عند وقوع الانحراف، وضمان بقاء سياسات الدولة ضمن إطار القيم والمبادئ الإسلامية. وقد اعتبر الرانيري أن العلاقة المتوازنة والمتناغمة بين الأمراء (الحكام) والعلماء تمثل أحد العوامل الأساسية في الحفاظ على استقرار الدولة.

ويكشف هذا التصور عن أن الرانيري كان يطمح إلى وجود منظومة أخلاقية تضبط ممارسة السلطة. فالحاكم الذي يقبل النقد والنصيحة من العلماء يُظهر تواضعًا وإدراكًا بأن السلطة ليست ملكًا شخصيًا، وإنما هي أمانة يُسأل عنها أمام الله تعالى وأمام المجتمع.

ومن أبرز القضايا التي تناولها كتاب بستان السلاطين أيضًا أهمية العلاقة بين الحاكم والعلماء. ويرى الرانيري أن الملك يحتاج إلى توجيه أهل العلم الشرعي حتى لا تنحرف سياساته عن القيم الأخلاقية والمبادئ الإسلامية.

وفي تاريخ آتشيه، احتلت العلاقة بين العلماء والحكام مكانة بالغة الأهمية. ويذكر أزيماردي أزرا في كتابه شبكة علماء الشرق الأوسط وأرخبيل نوسانتارا أن آتشيه أصبحت أحد أهم مراكز العلم الإسلامي المرتبطة بشبكات العلماء في الشرق الأوسط. وقد أسهمت هذه الصلات العلمية في انتقال العديد من الأفكار الدينية التي أثرت لاحقًا في الحياة السياسية والاجتماعية للمملكة.

ولذلك، ليس من المستغرب أن تُعرف آتشيه بلقب «رواق مكة» (Serambi Mekkah)، وهو لقب يعكس عمق تأثير الإسلام في حياة المجتمع ونظام الحكم.

رموز السلطة وشرعية الملك

لم تكن سلطة الملك تُبنى على كفاءته في القيادة فحسب، بل كانت تستند أيضًا إلى رموز تؤكد شرعية حكمه. ومن أبرز هذه الرموز في سلطنة آتشيه ختم سيكوريونغ (Cap Sikureueng).

ووفقًا لمتحف آتشيه، كان ختم سيكوريونغ يُستخدم بوصفه الختم الرسمي للسلطنة على مختلف الوثائق الرسمية المهمة. وكان وجود هذا الختم يدل على أن كل قرار يصدر باسم السلطان يتمتع بالشرعية والقوة القانونية.

ولم يكن هذا الرمز، في نظر المجتمع الآتشيهي، مجرد وسيلة إدارية لإثبات الوثائق، بل كان يمثل رمزًا للسلطة السياسية، كما يعكس الاعتراف بمكانة السلطان بوصفه الحاكم الشرعي للمملكة.

دروس في القيادة من آتشيه لعصرنا الحاضر

يرى الكاتب أن الأفكار التي طرحها نور الدين الرانيري تؤكد أن القيادة ليست مجرد القدرة على إدارة السلطة، بل هي أيضًا القدرة على الحفاظ على ثقة المجتمع. ولا تزال هذه القيم ذات أهمية في مختلف أشكال القيادة، سواء في مؤسسات الدولة، أو المنظمات، أو الحياة الاجتماعية اليومية.

وعلى الرغم من أن كتاب بستان السلاطين أُلِّف قبل ما يقرب من أربعة قرون، فإن الأفكار التي يتضمنها ما تزال تحتفظ براهنيتها حتى يومنا هذا. فالعدالة، وتحمل المسؤولية، والاهتمام بمصلحة المجتمع، وترسيخ القيم الأخلاقية في القيادة، كلها مبادئ لا تزال تمثل ضرورة في الحياة المعاصرة.

وفي ظل التحديات المتعددة التي يواجهها قادة العصر الحديث، يذكرنا نور الدين الرانيري بأن السلطة ليست غاية في حد ذاتها، وإنما هي وسيلة لتحقيق العدالة وتعزيز رفاهية المجتمع.

ومن خلال بستان السلاطين، يتضح أن مجتمع آتشيه في القرن السابع عشر كان يمتلك تصورًا ناضجًا لمفهوم القيادة المثالية. فالملك الصالح ليس أكثر الحكام إثارة للخوف، بل هو أكثرهم قدرة على إرساء العدالة، والإصغاء إلى النصح الصادق، وتقديم مصالح الرعية على المصالح الشخصية.

وفي النهاية، تبقى رسالة الرانيري صالحة لكل زمان: فالسلطة التي لا تقوم على العدل تفقد مشروعيتها ومعناها، أما القيادة القائمة على الأخلاق وتحمل المسؤولية فإنها تبقى خالدة في ذاكرة المجتمع.

وعند دراسة أفكار نور الدين الرانيري من منظور القيادة الحديثة، نجد أنها تتوافق إلى حد كبير مع مبادئ الحوكمة الرشيدة (Good Governance). فالقيم المتمثلة في العدالة، والمساءلة، وتحمل المسؤولية، والتوجه نحو تحقيق رفاهية المجتمع، لا تزال حتى اليوم من أهم المؤشرات على جودة إدارة الحكم.

ويبين ذلك أن التراث الفكري للإسلام في أرخبيل نوسانتارا قد قدم تصورًا متقدمًا للقيادة قبل وقت طويل من ظهور نظريات الإدارة العامة الحديثة. ولذلك، فإن بستان السلاطين لا يستحق أن يُنظر إليه بوصفه مصدرًا تاريخيًا فحسب، بل يُعد أيضًا مرجعًا مهمًا في دراسة الفكر السياسي الإسلامي في أرخبيل نوسانتارا.

مصدر الصورة: ختم سيكوريونغ (Cap Sikureueng) لسلطنة آتشيه دار السلام، وهو الرمز الرسمي الذي يجسد شرعية سلطة السلطان ويُستخدم في اعتماد الوثائق الرسمية للدولة. المصدر: متحف آتشيه.

المراجع

أزيماردي أزرا. شبكة علماء الشرق الأوسط وأرخبيل نوسانتارا. جاكرتا: كنشانا.

دينيس لومبار. مملكة آتشيه: عصر السلطان إسكندر مودا (1607–1636). جاكرتا: كيبوستاكان بوبولر غراميديا.

أنطوني ريد. آتشيه: بوابة الأمواج، الذاكرة الجيوسياسية والاقتصادية لسومطرة.

نور الدين الرانيري. بستان السلاطين.

متحف آتشيه. «ختم سيكوريونغ: رمز شرعية السلطة». https://museum.acehprov.go.id

حكاية آتشيه.