قفصٌ يُدعى التضامن: من دائرة الأصدقاء إلى روابط الدم
الكاتب: نبيل فخري
طالب في برنامج دراسة التاريخ والحضارة الإسلامية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا
إن رحلة حياة الإنسان، بوصفه كائناً اجتماعياً، تصاحبها دائماً روح التضامن، أي الرغبة في العيش ضمن نظام اجتماعي جماعي. ولكن هل شعرت يوماً بأن التضامن قد يتحول أحياناً إلى قفص؟ قد تكون لديك خطة للتقدم، مثل المشاركة في مسابقة، أو إنجاز الواجبات، أو التركيز على أمر يقودك إلى اتجاه أفضل، لكنك تُتَّهَم بعدم التضامن مع دائرة أصدقائك، وقد ينتهي الأمر بك إلى العزلة أو الابتعاد عنهم. إذا كنت قد شعرت بذلك من قبل، فأنت لست وحدك. والحقيقة أن هذه الظاهرة ليست أمراً جديداً، فقد ناقشها قبل قرابة قرن من الزمان أديب ومفكر ثقافي هو سوتان تقدير علي شاهبانا.
كان سوتان تقدير علي شاهبانا، الذي سيشار إليه لاحقاً بـ “STA”، أحد الشخصيات المحورية في الجدل الثقافي عام 1935. وقد ذكر في مقالته المعنونة “نحو مجتمع وثقافة جديدين”، المنشورة في المجلة الثقافية Pudjangga Baru في عدد أغسطس 1935، أن الثقافة تنقسم إلى فترتين: فترة ما قبل إندونيسيا قبل القرن التاسع عشر، وفترة الثقافة الإندونيسية في القرن العشرين. ويرى أن ثقافة ما قبل إندونيسيا كانت خاضعة بدرجة كبيرة للعناصر الصوفية والأسطورية، ولجمود العادات، والإقطاعية، والتضامن المفرط. وقد وصف STA هذه الأنماط الثقافية بأنها ثقافة جامدة يمكن أن تعيق التقدم، لأن القيم النظرية، أي العلم والمعرفة، والقيم الاقتصادية، أي الإنتاجية، تصبح ضعيفة جداً في ظل هذه الثقافة. فالتفكير العقلاني لم يكن قد تطور بعد، وكان المجتمع متأثراً إلى حد كبير بالمشاعر المفرطة. لذلك أكد STA أن الثقافة الإندونيسية الحديثة يجب أن تكون مختلفة عن الثقافة القديمة.
ومن أشكال ثقافة ما قبل إندونيسيا التضامن. ففي نظر STA، يمكن أن يتجلى التضامن في صورة الحب، والصداقة، والعمل التعاوني، والوعي الجماعي المتماسك. غير أن هذه الأشكال من التضامن في العصر الحالي تتجسد في كثير من الأحيان في أنشطة قليلة الإنتاجية، مثل الجلوس لساعات طويلة بلا هدف واضح، أو ممارسة التدخين الإلكتروني معاً بوصفه طقساً من طقوس “الرفقة”، أو اللعب الجماعي عبر الإنترنت بما يستهلك وقت الدراسة والعمل. صحيح أن هذه الأنشطة تنجح في تقوية الروابط العاطفية داخل الجماعة، لكنها، تماماً كما حذر STA، لا تفسح المجال لنمو القيم النظرية، أي المعرفة، ولا القيم الاقتصادية، أي الإنتاجية. فالتضامن، حين يتخذ شكلاً مفرطاً، يرسخ حالة الجمود بدلاً من أن يدفع الفرد أو الجماعة نحو التقدم.
وإذا كان التضامن داخل دائرة الأصدقاء وحده قادراً على إعاقة تقدم القيم النظرية والاقتصادية لدى الفرد، فكيف الحال مع تضامن أعمق جذوراً مثل العلاقات الأسرية؟ لقد أشار STA إلى أن رابطة الأسرة أو القرابة تمثل أقوى أشكال التضامن، لأنها مغلفة بالأخلاق وبالشعور بـ “رد الجميل”. فكثير من الناس يشعرون بأنهم مقيدون في اختيار طريق حياتهم، سواء في التعليم أو المهنة أو غير ذلك من اختيارات الحياة، لأن هذه الاختيارات تُعَدّ غير منسجمة مع توقعات الأسرة. وهنا تكمن مفارقة التضامن: فكلما ازدادت الرابطة عمقاً، ازداد احتمال تحولها إلى قفص يعيق الإنسان الذي يريد أن يتطور.
وعلى الرغم من نقد STA لهيمنة التضامن في الثقافة الجامدة، فإنه لم يرفض هذه القيمة رفضاً مطلقاً. فالتضامن في نظره لا يزال إحدى القيم الأساسية التي تُشكّل الثقافة. إنه قوة تكاملية توحد الطاقات داخل الفرد والمجتمع، ويُعَدّ أساساً لمؤسسة الأسرة، كما يمثل بوصلة أخلاقية تمنع الإنسان من أن يصبح أنانياً بصورة كاملة. بل إن STA لاحظ أن التضامن ينمو بقوة في الدول الديمقراطية الحديثة، مما يدل على أن هذه القيمة ليست مجرد إرث ثقافي قديم يجب التخلص منه. إن المشكلة لا تكمن في التضامن ذاته، بل في طريقة تجسيده. فقد شدد STA على ضرورة إعادة بناء التضامن بما يتوافق مع متطلبات العصر. فالتعاون، على سبيل المثال، ينبغي أن يتطور إلى شكل أكثر كفاءة من أشكال التعاون داخل نظام اجتماعي معقد، لا أن يبقى مجرد طقس جامد من طقوس الرفقة. وبعبارة أخرى، يصبح التضامن في أفضل صوره عندما يتوازن مع القيم التقدمية، أي العلم والإنتاجية الاقتصادية، لا عندما يُلغى بشكل كامل.

وفي النهاية، لا تكمن المسألة في ما إذا كان علينا أن نكون متضامنين أم فرديين. فسوتان تقدير علي شاهبانا نفسه لم يطالب بترك دائرة الأصدقاء أو قطع العلاقات الأسرية باسم “التقدم”. ما قدّمه هو طريقة لإعادة التفكير: فالتضامن الصحي ينبغي أن يكون مساحة تساعد الإنسان على النمو، لا قفصاً يجعله أصغر. وينبغي أن يكون حاضراً لدعمك في مسار تطورك، لا ليطالبك بالتوقف لمجرد أنك تُعَدّ غير منسجم مع الآخرين. لذلك، إذا شعرت في يوم من الأيام بأنك مقيّد بفكرة أنك “يجب أن تكون متضامناً” — سواء مع الأصدقاء أو الأسرة أو أي جماعة أخرى — فربما حان الوقت لتسأل نفسك: أي نوع من التضامن أنت في الحقيقة تحافظ عليه؟
المراجع:
Damanhuri, T., & Fattah, G. (2024). Memaknai Kembali Konsep Sutan Takdir Alisjahbana dalam Konteks Politik Kebudayaan Nasional Indonesia. Widyacarya.
Anzaikhan, M., وآخرون. (2025). Filsafat Nilai dan Transformasi Sosial: Perspektif Sutan Takdir Alisjahbana. Al-Widad.
Rusmiati, E. (2003). Humanisme dalam Pemikiran Kebudayaan Sutan Takdir Alisjahbana: Suatu Kajian Filosofis. رسالة ماجستير غير منشورة. Universitas Indonesia، Depok، Indonesia.
وزارة التربية والثقافة. (د.ت). Polemik Kebudayaan. تم الاسترجاع من: https://esi.kemdikbud.go.id/wiki/Polemik_Kebudayaan
مصادر الصور:
https://1001indonesia.net/sutan-takdir-alisjahbana-sastrawan-pelopor-angkatan-pujangga-baru/
https://ar.inspiredpencil.com/pictures-2023/solidarity-hands
