الندوة الوطنية: لبنان في خضمّ الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط: التاريخ والصراع والدبلوماسية
الندوة الوطنية: لبنان في خضمّ الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط: التاريخ والصراع والدبلوماسية

 

جنوب تانغيرانغ، أخبار كلية الآداب والعلوم الإنسانية الإلكترونية — نظّم برنامج دراسة التاريخ والحضارة الإسلامية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة شريف هداية الله الإسلامية الحكومية جاكرتا ندوة وطنية بعنوان «لبنان في خضم الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط: التاريخ والصراع والدبلوماسية»، وذلك يوم الثلاثاء، 8 محرّم 1448هـ، الموافق 23 يونيو 2026م.

أُقيمت الندوة في قاعة المسرح بالطابق الخامس بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، واستضافت متحدثين اثنين، هما الدكتور حاجريانتو ي. طوهاري، سفير جمهورية إندونيسيا فوق العادة والمفوّض لدى لبنان للفترة 2019–2025، والأستاذ الدكتور أوسيب عبد المتين، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية ونائب العميد الثالث. وقد أدار الندوة الدكتور فايزال عارفين، أحد محاضري برنامج دراسة التاريخ والحضارة الإسلامية، وحضرها طلاب البرنامج بحماس واهتمام كبيرين.

في كلمتها الافتتاحية، أكدت الدكتورة زكية داراجات، رئيسة برنامج دراسة التاريخ والحضارة الإسلامية، أن تنظيم هذه الندوة لا يهدف فقط إلى مناقشة ديناميكيات السياسة الدولية أو تطورات الصراع في الشرق الأوسط، بل يُعدّ جزءًا من التزام البرنامج بتوفير فضاء تعليمي يربط الدراسات التاريخية بالواقع المعاصر الذي يشهده العالم الإسلامي.

وقالت:
«بصفتنا طلابًا في التاريخ والحضارة الإسلامية، من المهم أن نمتلك رؤية عالمية وأن ندرك أن الأحداث التي تقع اليوم لا تظهر فجأة. فالصراعات والدبلوماسية والتحولات الجيوسياسية التي تحدث في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط لها جذور تاريخية طويلة ومعقّدة. لذلك، فإن فهم التاريخ لا يقتصر على تذكّر الماضي، بل يساعدنا أيضًا على قراءة الحاضر والاستعداد للمستقبل».

ومن خلال هذه الندوة، أعربت رئيسة البرنامج عن أملها في أن يصبح الطلاب أكثر وعيًا بتطورات العالم الإسلامي على المستوى العالمي، وألا يقتصر اهتمامهم على القضايا المحلية فقط، بل أن يمتلكوا أيضًا اهتمامًا بالقضايا الإنسانية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي تحدث في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. كما شددت على أهمية تنمية وتعزيز الأخوّة الإسلامية، لأن شعور الأخوّة بين المسلمين لا يُبنى فقط على الروابط العاطفية، بل يحتاج أيضًا إلى فهم صحيح للظروف التي يواجهها إخواننا في مختلف البلدان.

وأضافت:
«عندما نفهم الخلفية التاريخية والواقع الذي يواجهونه، فإن التضامن الذي ينمو سيكون أكثر معنىً وسيستند إلى المعرفة».

وفي السياق نفسه، قال الدكتور عادي عبد الحق، عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية، في كلمته إن هذه الندوة مهمة جدًا، ولا سيما لفهم القضايا التي تتطور في العالم اليوم. فعندما تبرز قضية لبنان على الساحة العالمية، فإن قضايا أخرى قد تتراجع في الاهتمام، ومن هنا تأتي أهمية فهم القضايا العالمية الراهنة من خلال منظور التاريخ والصراع والدبلوماسية.

وقال:
«بصفتنا أمة تحب السلام، فإننا نأسف بشدة لوقوع هذا الصراع. غير أن هذا الصراع، من جهة أخرى، يمكن أن يكون درسًا لنا نستخلص منه العِبر، خاصة بوصفنا طلابًا في التاريخ والحضارة الإسلامية».

خلفية عن لبنان

افتتح المتحدث الأول، الدكتور حاجريانتو ي. طوهاري، الذي شغل منصب سفير جمهورية إندونيسيا فوق العادة والمفوّض لدى لبنان خلال الفترة 2019–2025، النقاش بتوضيح أن لبنان بلد جميل تحيط به الشواطئ والجبال، ويتميز شعبه بجاذبية خاصة. حتى إن لبنان يُلقّب بـ «باريس الشرق الأوسط». كما أن المجتمع اللبناني معروف بقدرته على استخدام لغات أجنبية متعددة، ومن بينها اللغة الفرنسية.

وقال:
«الحديث عن لبنان أمر ممتع للغاية، لأن لبنان بلد جميل، لا توجد فيه صحارى، لكنه يمتلك شواطئ وجبالًا، كما يتميز شعبه بجاذبية لافتة. بل إن لبنان يُعرف بلقب باريس الشرق الأوسط. إضافة إلى ذلك، فإن الأطفال في لبنان يجيدون استخدام اللغات الأجنبية، ولا سيما اللغة الفرنسية، لأن هذا البلد كان في الماضي تحت الانتداب الفرنسي. وهناك العديد من المدارس في لبنان التي تستخدم اللغة الفرنسية لغةً للتعليم، مثل جامعة القديس يوسف وغيرها. وعلى الرغم من أن لبنان بلد صغير، فإنه مهم جدًا في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط. كما أن المجتمع اللبناني يختلف عن المجتمعات العربية الأخرى؛ ففي الدول العربية الأخرى يشكل المسلمون الأغلبية، أما في لبنان فهناك توازن نسبي بين المسيحيين والمسلمين الذين يعيشون معًا في بلد صغير واحد».

تأثير لبنان في الشرق الأوسط

وأضاف حاجريانتو أن لبنان يضم العديد من الجامعات الأمريكية وفروعها في الشرق الأوسط، كما أن كثيرًا من القادة في الدول العربية يحملون شهادات دكتوراه من الولايات المتحدة.

وقال:
«في لبنان توجد الجامعة الأمريكية في بيروت، التي أسسها مبشرون، وقد احتلت طوال عقود المرتبة الأولى كأفضل جامعة في الشرق الأوسط. ولم تتراجع هذه المرتبة إلا في السنوات الست الأخيرة، حيث تقدمت عليها جامعة الملك فهد وجامعة الملك عبد العزيز في المملكة العربية السعودية. لقد تضررت المجتمعات العربية كثيرًا من الولايات المتحدة، وكثيرون فيها يعارضون أمريكا، ولكن في مجال التعليم كانت أمريكا هي التي أسست فروع جامعاتها في الشرق الأوسط، وكثير من الحكومات في المنطقة يقودها أشخاص حصلوا على الدكتوراه من جامعات أمريكية. وفي معظم الدول العربية يكون القادة من المسلمين، باستثناء لبنان، حيث يجب أن يكون رئيس الدولة مسيحيًا، ورئيس الوزراء مسلمًا سنيًا، ورئيس مجلس النواب شيعيًا، كما يجب أن يتكون مجلس الوزراء من نصف مسلمين ونصف مسيحيين، وكذلك البرلمان. وهذا ما يؤثر كثيرًا في لبنان. ويُعد لبنان الدولة العربية الوحيدة الديمقراطية مقارنة بالدول العربية الأخرى».

تاريخ الشرق الأوسط

إن مصطلح الشرق الأوسط نفسه لم يظهر إلا منذ نحو مئة عام، وذلك بعد سقوط الدولة العثمانية إثر هزيمتها في الحرب العالمية الأولى.

وقال السفير السابق:
«إن مصطلح الشرق الأوسط ظهر فقط منذ نحو مئة عام. إنه مصطلح جديد نشأ عندما هُزمت الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، وكانت الدول العربية الحالية في السابق جزءًا من الأراضي العثمانية. وإذا عدنا إلى الوراء، فإن المنطقة العربية لم تكن تُسمى الشرق الأوسط، لأنها كانت في ذلك الوقت تتشكل في صورة دول وسلالات بعد عصر الخلفاء الراشدين. وبعد هزيمة العثمانيين في الحرب العالمية الأولى، وقعت الأراضي التي كانت تحت حكمهم في أيدي الدول الغربية. وفي ظل الاستعمار الغربي، أطلق الغربيون على هذه المنطقة اسم الشرق البعيد الواقع في وسط العالم. ومن ثم، فإن مصطلح الشرق الأوسط كان رمزًا من رموز الاستعمار الغربي في ذلك الوقت».

شهرة الشرق الأوسط

يمكن أن تحدث الصراعات في الشرق الأوسط لأن هذه المنطقة تُعد من أكبر مصادر النفط في العالم، كما أنها مهد الديانات الكبرى. وإلى جانب ارتباطها بالإسلام، فإن الشرق الأوسط يُعد أيضًا مكانًا لتجمع أتباع الديانة اليهودية. وهذا ما أوضحه الدكتور حاجريانتو ي. طوهاري.

وقال:
«أولًا، أصبح الشرق الأوسط مشهورًا جدًا لأنه منطقة تمتلك أكبر مصادر النفط في العالم، وهي مصادر تحتاج إليها الدول الصناعية اليوم. ثانيًا، هو مهد الديانات الكبرى. ثالثًا، يضم العديد من الحضارات، وبصورة عامة فإن كثيرًا من السياسات السياسية في العالم اليوم تعود جذورها إلى الشرق الأوسط. رابعًا، هو مكان تجمع اليهود، فاليهود في العالم يلتقون في الشرق الأوسط، أي في دولة إسرائيل. خامسًا، يُعرّف الشرق الأوسط غالبًا بالإسلام. لذلك، عندما يريد الغرب الحوار مع العالم الإسلامي، فإنه يتوجه إلى الشرق الأوسط. وهذا ما يجعل الشرق الأوسط مركزًا للعالم الإسلامي ومنطقة مهمة جدًا في الساحة العالمية؛ لأن أي صراع يحدث في إحدى مناطق الشرق الأوسط يرتبط بالبُعد الإسلامي العالمي».

ولهذا السبب، فإن الصراع في الشرق الأوسط يُعد متغيرًا مهمًا جدًا في العالم العربي، لأنه يمكن أن يؤدي إلى ارتباطه بالعالم الإسلامي العالمي.

وقال:
«إن الصراع الحالي في لبنان ليس فقط صراعًا بين لبنان وإسرائيل، بل يمكن أن يتوسع ليصبح صراعًا بين العالم العربي وإسرائيل، أو حتى يتحول إلى صراع أشد بين العالم الإسلامي العالمي وإسرائيل».

وفي السياق نفسه، أوضح الأستاذ الدكتور أوسيب عبد المتين، نائب العميد الثالث بكلية الآداب والعلوم الإنسانية وأستاذ برنامج دراسة التاريخ والحضارة الإسلامية، أن لبنان يشهد حاليًا دمارًا وخسائر كبيرة داخل بلده. واستنادًا إلى كتاب ألبرت حوراني الصادر عام 1991، أوضح أن الدمار الذي وقع في لبنان يعود إلى تعفّن داخلي؛ إذ إن الحضارة قد تنهار لا بسبب تأثير خارجي، بل بسبب فساد وخلل يحدثان من داخلها. ومن ثم، فإن الصراع الحالي في لبنان هو نتيجة للانهيار الذي وقع داخل البلد نفسه.

لذلك، فإن حضور الطلاب واهتمامهم ضروريان للمساعدة في دعم إخواننا الذين يتعرضون للظلم نتيجة التوسع الإسرائيلي في الشرق الأوسط، وكذلك لانتقاد ودراسة الآثار المحتملة إذا استمر هذا الصراع.

وقبل اختتام الندوة، عُقدت جلسة أسئلة وأجوبة. وقد طرح ثلاثة من طلاب الفصل الثاني في برنامج التاريخ والحضارة الإسلامية أسئلة نقدية على المتحدثين، فأجابا عنها بوضوح وشمول. واختُتمت الندوة بعرض من فرقة SPI Band التي أدت أغنية “We Will Not Go Down” لمايكل هارت، وأغنية “Sesi Potret” للفنان إيناو، لتكون خاتمة سلسلة أنشطة الندوة الوطنية.

الكاتب: أحمد دافا رشيدي / الدكتورة زكية داراجات، ماجستير
التوثيق: 

Semnas SPI 3

Semnas SPI 1

Semnas SPI 2

العلامات :