جسر أمبيرا: أمانة معاناة الشعب ورمز المدينة
جسر أمبيرا: أمانة معاناة الشعب ورمز المدينة

يُعد جسر أمبيرا اسمًا مألوفًا لدى الشعب الإندونيسي، ولا سيما لدى سكان “وونغ كيتو غالو” وهو اللقب الذي يُطلق على أهالي سومطرة الجنوبية. ويُعتبر هذا الجسر معلمًا بارزًا لمدينة باليمبانغ، إذ يقف شامخًا فوق نهر موسي المتعرج، مما يزيد من عظمته وجماله. وبالنسبة لسكان باليمبانغ، فإن هذا الجسر يُمثل شاهدًا صامتًا على نضال الشعب في طرد الاستعمار من أرض سومطرة الجنوبية. وقد اشتُق اسم “أمبيرا” من الشعار الذي وُلد خلال مؤتمر آسيا وإفريقيا عام 1955، وهو “أمانة معاناة الشعب”. ومع مرور الزمن، تطور هذا الجسر ليصبح رمزًا يوحّد بين الماضي والحاضر.

بدأ بناء الجسر عام 1962، وتم افتتاحه رسميًا في 30 سبتمبر 1965، أي بعد عشرين عامًا تمامًا من استقلال إندونيسيا. وقد بلغت تكلفة المشروع حوالي 15 مليون دولار أمريكي، جاءت من تعويضات الحرب اليابانية. وكان تشييده جزءًا من مشاريع التنمية الوطنية بعد الاستقلال، كما أصبح أحد المشاريع الضخمة التي مجّدها الرئيس سوكارنو في ذلك الوقت. بل إن سوكارنو نفسه قام بتصميم الجسر بشكل مباشر، واستقدم خبراء من اليابان للمشاركة في بنائه. وتُشير بعض الروايات إلى أن الجسر بُني باستخدام السجناء السياسيين في عهد النظام القديم ممن تورطوا في تمرد PRRI/Permesta بين عامي 1958 و1961. حيث أُجبر الآلاف على العمل في ظروف قاسية دون أجور مناسبة، ولقي العديد منهم حتفهم أثناء عملية البناء، وذلك باعتباره نوعًا من “إعادة التأهيل” أو العقوبة للمتمردين.

وعلى الرغم من كثرة القصص والروايات المحيطة به، لا يزال الجسر قائمًا بقوة فوق نهر موسي. وكان من المخطط في البداية أن يُسمى “جسر سوكارنو” تكريمًا لخدماته، إلا أن الاسم تغيّر إلى “أمبيرا” احترامًا لأولئك الذين ضحوا بحياتهم في سبيل استقلال إندونيسيا. وقد افتُتح الجسر رسميًا عام 1965 بطول يبلغ 1177 مترًا، وعرض 22 مترًا، مع برجين رئيسيين بارتفاع 63 مترًا. وعند افتتاحه، كان أطول جسر في جنوب شرق آسيا، واشتهر بتصميمه الأنيق، إضافة إلى وجود برجي ساعة في منتصفه مما أضفى عليه طابعًا أصيلًا وفخمًا. كما أن نهر موسي الجاري أسفل الجسر يضيف مشهدًا بانوراميًا رائعًا لكل من يراه.

واليوم، وبعد مرور 61 عامًا، لا يزال جسر أمبيرا شامخًا يُظهر عظمته ويُجسد صورة الشاهد الصامت على كفاح الشعب ضد الاستعمار. وخلال هذه العقود، شهد الجسر العديد من التغييرات، من بينها تغيير ألوانه ثلاث مرات؛ من اللون الرمادي (1965–1992)، إلى الأصفر (1992–2002)، ثم الأحمر (منذ 2002 حتى اليوم). وفي الماضي، كان الجزء الأوسط من الجسر يُرفع للسماح للسفن الكبيرة بالمرور تحته، لكن منذ أوائل الألفية الجديدة تعرض النظام لأعطال تقنية وأُعلن عن توقفه الدائم. وفي عام 2023، أُجريت عملية ترميم كبيرة أعادت تشغيل النظام، لكنه يُستخدم الآن فقط في مناسبات معينة وليس بشكل دائم كما كان سابقًا. كما زُيّن الجسر اليوم بالأضواء الجميلة التي تزيد من قيمته الجمالية، ليُعلمنا أن الجمال الحقيقي لا يُدرك إلا بعد تضحيات عظيمة.

أصبح هذا الجسر اليوم رمز فخر لأهالي باليمبانغ، كما يُعد وسيلة رئيسية لربط منطقتي إلير وأولو في المدينة. وإلى جانب كونه رمزًا للمدينة، فإنه يُستخدم أيضًا لإقامة العديد من المهرجانات الثقافية في باليمبانغ، مما جعله قريبًا جدًا من قلوب السكان. وهكذا، فإن ما نراه اليوم من عظمة قد يخفي وراءه الكثير من القصص المؤلمة. فربما يكون مجرد جسر، لكنه الجسر الذي حُمّلت عليه أمانة معاناة الشعب، ليصبح بهيكلٍ من الفولاذ والخرسانة الممتد فوق نهر موسي مصدر فخر في قلوب أهالي باليمبانغ.

الكاتب: أحمد دافا رشيدي

المحرر والمراجع: محمد حسين فضل الله

المراجع:

وفقًا للمؤرخين أسفي وارمان آدم وأحمد ياني باسوكي في كتاب “جسر أمبيرا: من المعاناة إلى الفخر”.

كتاب “تاريخ جسر أمبيرا” الصادر عن دائرة الثقافة في باليمبانغ.