المحتوى الاستفزازي والتعليقات السامة: عندما تُختبر أخلاقيات اللغة في العالم الرقمي
المحتوى الاستفزازي والتعليقات السامة: عندما تُختبر أخلاقيات اللغة في العالم الرقمي

بقلم: أنديكا براتاما (Andika Pratama)

كثيرًا ما نشاهد في العالم الرقمي جدالات حادة بين أشخاص لا يعرف بعضهم بعضًا، يتناقشون حول موضوعات متنوعة للغاية، تشمل السياسة والميول والاهتمامات الشخصية، وصولًا إلى الدين. فعلى سبيل المثال، قد ينشر أحدهم تغريدة تقول: «إن شباب اليوم يفتقرون فعلًا إلى الأدب والاحترام». وخلال دقائق، تمتلئ الردود بتعليقات سلبية وإهانات متزايدة، ثم يقابلها ردود أكثر قسوة. وقد أصبح هذا المشهد مألوفًا إلى درجة أن كثيرًا من الناس باتوا يعدّونه أمرًا طبيعيًا، وكأن هذه هي طبيعة الإنترنت.

في حقيقة الأمر، ليس هذا التصور خاطئًا تمامًا، لكنه يستحق إعادة النظر، بل إن إعادة النظر فيه أمر ضروري. ففي علم اللغة الاجتماعي، تُستخدم اللغة دائمًا ضمن علاقات اجتماعية محددة. وهذا يعني أن كل كلمة نكتبها على وسائل التواصل الاجتماعي تظل مرتبطة بالمعايير الاجتماعية، والعلاقات بين المتحدثين، والسياق الذي ترد فيه. وقد تبدو أقسام التعليقات فضاءات مفتوحة لا تخضع لقيود كثيرة، لكن قواعد اللباقة لا تختفي لمجرد أن الطرف الآخر غير مرئي. ولذلك، فإن فهم المحتوى الاستفزازي المصمم لإثارة الغضب والتعليقات السامة يعني أيضًا فهم كيفية اختبار أخلاقيات استخدام اللغة في الفضاء الرقمي.

أخلاقيات اللغة وصورة الذات التي ينبغي الحفاظ عليها

ترتبط أخلاقيات اللغة ارتباطًا وثيقًا بمفهوم «الوجه» (Face)، الذي يشير إلى الصورة الذاتية التي يرغب كل فرد في أن يحترمها الآخرون أثناء التفاعل. فكل متحدث يسعى إلى القبول مع الحفاظ في الوقت نفسه على حريته من الإكراه. ونتيجة لذلك، قد تهدد أفعال كلامية، مثل النقد أو إصدار الأوامر، صورة الطرف الآخر عن ذاته. ولتجنب ذلك، يلجأ المتحدثون عادةً إلى استراتيجيات التهذيب، مثل استخدام عبارات الاحترام، وتبادل الأحاديث التمهيدية، أو تخفيف حدة النقد. وتشكل هذه الأعراف غير المكتوبة أساس أخلاقيات اللغة، سواء في التفاعلات المباشرة وجهًا لوجه أم عبر شاشات الهواتف.

أما عدم اللباقة، فيحدث في الحالة المعاكسة، عندما تتعارض طريقة تعبير الشخص مع التوقعات والرغبات والمعتقدات المتعلقة بما يُعد سلوكًا لائقًا في موقف اجتماعي معين. وتتوقف درجة شعور الشخص بالإهانة على مدى الحساسية العاطفية المرتبطة بتلك التوقعات، وكذلك على العبارات التي يُنظر إليها عرفًا على أنها مؤذية، مثل الشتائم التي تُعزَّز بألفاظ التوكيد. ولهذا السبب، يعتمد الحكم الأخلاقي على أي عبارة دائمًا على سياقها. فقد يُفهم المزاح الساخر بين الأصدقاء المقربين على أنه علامة على الألفة، بينما قد تبدو العبارة نفسها مهينة إذا كتبها شخص غريب في قسم التعليقات. ومن ثم، ينبغي فهم معايير اللباقة في وسائل التواصل الاجتماعي في ضوء العلاقة بين المتحدثين والأعراف السائدة في المجتمع الذي تظهر فيه العبارة.

المحتوى الاستفزازي والتعليقات السامة: لماذا ينتشر الغضب بهذه السهولة؟

يُقصد بالمحتوى الاستفزازي المصمم لإثارة الغضب (Ragebait) ذلك المحتوى الذي يُنشأ عمدًا لاستثارة غضب الجمهور بهدف الحصول على أكبر عدد ممكن من التعليقات والمشاركات وجذب الانتباه. وتتمثل السمة الأولى لهذا النوع من المحتوى في استخدام عناوين أو عبارات افتتاحية استفزازية تتضمن تعميمات واسعة، مثل: «قائدو الدراجات النارية دائمًا أنانيون على الطريق». أما السمة الثانية، فهي عرض المعلومات بصورة مجتزأة تؤدي إلى فقدان سياقها الأصلي. وتتمثل السمة الثالثة في تناول قضايا أو هويات حساسة، مثل الدين والسياسة والنوع الاجتماعي، مع استخدام ألفاظ مطلقة مثل «دائمًا» و«الجميع» و«أبدًا». والهدف من ذلك هو استثارة رد فعل سريع، حتى لو جاء ذلك على حساب الدقة والموثوقية. ومن ثم، فإن القراء الذين يسارعون إلى الرد إنما يقومون، في الواقع، بما أراد منشئو المحتوى منهم أن يفعلوه تمامًا.

وتنجح هذه الاستراتيجية لأن المشاعر المرتبطة بالأحكام الأخلاقية قابلة للانتقال والانتشار بين الناس. وقد أظهرت إحدى الدراسات أن الأفكار الأخلاقية والسياسية تنتشر بسرعة أكبر من خلال التعبير عن المشاعر الأخلاقية، وهي عملية تُعرف باسم «العدوى الأخلاقية» (Moral Contagion). ويشير هذا المصطلح إلى ظاهرة نفسية واجتماعية يمكن من خلالها أن تنتقل القيم أو المشاعر أو المواقف الأخلاقية لدى الأفراد أو الجماعات إلى أشخاص أو أطراف أخرى في محيطهم. وتشير إحدى الدراسات إلى أن كل كلمة إضافية تحمل شحنة أخلاقية وعاطفية تزيد من انتشار الرسالة بنحو 20%، ولا سيما بين المجموعات التي تتشارك الآراء نفسها. وعندما يستهدف منشورٌ طرفًا آخر أو يصوّره بصورة سلبية، قد يشعر المستخدمون بدافع للدفاع عن جماعتهم من خلال تعليقات مشحونة بالمشاعر نفسها. ويشبه هذا النمط سلوك «الاستفزاز الإلكتروني» (Trolling)، وهو سلوك عدائي يتعمد فيه الشخص إثارة النزاعات بينما يتظاهر بالإخلاص أو حسن النية. وغالبًا ما يُقدَّم المحتوى الاستفزازي أيضًا في صورة رأي عادي أو خبر مألوف.

أما التعليقات السامة، فهي العبارات المنشورة عبر الإنترنت التي تهين الآخرين أو تحط من قدرهم أو تهددهم أو تهاجمهم شخصيًا، من دون مناقشة جوهر الموضوع المطروح. وتتجلى خصائصها في استخدام الشتائم، والسخرية الجارحة، والاستهزاء بالمظهر الجسدي أو الخلفية الاجتماعية، والإفراط في استخدام الأحرف الكبيرة لمحاكاة الصراخ. وتظهر هذه العبارات أمام جمهور واسع، كما تظل محفوظة على الإنترنت، مما يتيح إعادة قراءتها في أي وقت. ونتيجة لذلك، قد يستمر الضرر الذي يلحق بصورة الشخص واعتباره مدة أطول بكثير من أثر الإهانة التي تحدث في محادثة مباشرة بين شخصين.

فلماذا، إذن، قد يتحول الأشخاص المهذبون في الحياة الواقعية إلى أشخاص فظّين عند الكتابة عبر الإنترنت؟ تكمن الإجابة في ظاهرة تُعرف باسم «تأثير زوال القيود السلوكية على الإنترنت» (Online Disinhibition Effect). وهي ظاهرة نفسية يميل فيها الأفراد إلى فقدان جزء من قدرتهم على ضبط النفس أو الالتزام بالقيود الأخلاقية والسلوكية عند التواصل عبر الإنترنت، مقارنةً بتواصلهم المباشر وجهًا لوجه. ولهذه الظاهرة جانب إيجابي؛ إذ قد يصبح بعض الأشخاص أكثر استعدادًا للتعبير عن مشاعرهم ومشاركتها بصراحة. غير أن جانبها السلبي يظهر عندما يؤدي غياب الوجه المرئي للطرف الآخر إلى جعل الأثر المترتب على المساس بصورته واعتباره أقل وضوحًا في نظر المتحدث.

ويمكن تطبيق هذا الفهم في الحياة اليومية. فكثير من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي تُنشأ فقط لإثارة الخلافات والجدل من خلال الاستفزاز المتعمد (Ragebaiting). ولذلك، ينبغي لمستخدمي الإنترنت الذين يتحلون بالتفكير النقدي أن يفهموا السياق الكامل للمنشور، ويتحققوا من مصادره، ويتساءلوا عمّن يستفيد من الجدل الناجم عنه. وقبل كتابة أي تعليق، يجدر بالمرء أن يسأل نفسه ما إذا كان مستعدًا لقول الكلمات نفسها مباشرةً أمام الشخص المعني. فالنقد الصريح والحازم يظل مشروعًا ما دام موجَّهًا إلى الأفكار، في حين ينبغي تجنب الهجمات الشخصية. وبهذه الطريقة، يمكن أن تتعايش حرية التعبير مع احترام صورة الآخرين وكرامتهم.

: المراجع

Brady, W. J., Wills, J. A., Jost, J. T., Tucker, J. A., & Van Bavel, J. J. (2017). Emotion shapes the diffusion of moralized content in social networks. Proceedings of the National Academy of Sciences, 114(28), 7313–7318. https://doi.org/10.1073/pnas.1618923114

Brown, P., & Levinson, S. C. (1987). Politeness: Some universals in language usage. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511813085

Culpeper, J. (2011). Impoliteness: Using language to cause offence. Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CBO9780511975752

Hardaker, C. (2010). Trolling in asynchronous computer-mediated communication: From user discussions to academic definitions. Journal of Politeness Research, 6(2), 215–242. https://doi.org/10.1515/jplr.2010.011

Suler, J. (2004). The online disinhibition effect. CyberPsychology & Behavior, 7(3), 321–326. https://doi.org/10.1089/1094931041291295