اللغة ليست مجرد أداة: هل تشكّل الكلمات حقًّا الطريقة التي نرى بها العالم؟
بقلم: أنديكا براتام
هل تساءلت يومًا لماذا تبدو بعض الكلمات في لغة ما مستحيلة الترجمة إلى لغة أخرى؟ خذ كلمة galau في اللغة الإندونيسية، على سبيل المثال؛ فهي تبدو وكأنها تعبّر عن عمق عاطفي يختلف عن مجرد كلمة “upset” في اللغة الإنجليزية. وكذلك كلمة lebay الإندونيسية، التي تُترجم غالبًا إلى “overacting”، تحمل دلالة عاطفية وعمقًا مختلفين. وخلف الكلمات التي ننطق بها كل يوم تكمن قوة كبيرة تؤثر، بصورة خفية، في الطريقة التي يفهم بها دماغنا الواقع. وهذا ما يُعرف في علم اللغة بفرضية سابير-وورف، وهي نظرية ترى أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل، بل تؤدي أيضًا دورًا أساسيًا في تشكيل أنماط التفكير البشري.
العدسة التي نستخدمها: ما النسبية اللغوية؟
ترجع جذور هذه النظرية إلى أفكار شخصيتين بارزتين، هما إدوارد سابير وتلميذه بنيامين لي وورف. وتتمثل الفكرة الأساسية في مفهوم النسبية اللغوية. فقد رأى هذان العالمان أن بنية اللغة التي نستخدمها يوميًا تؤثر في الطريقة التي ندرك بها العالم ونسلكها، وربما تحددها أيضًا. ووفقًا لهذا المنظور، لا يتشكل التفكير البشري بصورة مستقلة في فراغ، وإنما يتأثر بالقواعد النحوية والمفردات المتاحة في اللغة الأم للمتحدث. ومن ثم تصبح اللغة بمثابة مخطط أساسي للطريقة التي نفهم بها الواقع.
وتنقسم هذه الفرضية عمومًا إلى اتجاهين رئيسيين ظلّا موضع نقاش بين علماء اللغة:
-
الحتمية اللغوية (النسخة القوية): تمثل هذه الرؤية التفسير الأكثر تطرفًا. وترى الحتمية اللغوية أن اللغة تحدد طريقة تفكيرنا بصورة مباشرة وشاملة. والمنطق هنا بسيط: إذا كانت لغة ما لا تحتوي على كلمة لمفهوم معين، فيُفترض أن متحدثيها لن يكونوا قادرين على فهم ذلك المفهوم أو تصوره. ووفقًا لهذا التصور، يصبح العقل البشري وكأنه “أسير” لحدود لغته. فإذا كانت لغتك، مثلًا، لا تعبّر نحويًا عن مفهوم الزمن المستقبل، فقد يُفترض أنك لن تكون قادرًا على التخطيط للمستقبل. وعلى الرغم من أن هذا التصور قد يبدو جذابًا ومثيرًا للتفكير، فإنه يصعب إثباته بالأدلة التجريبية، وقد أثار جدلًا واسعًا بين الباحثين.
-
النسبية اللغوية (النسخة الضعيفة): بخلاف الحتمية، تتميز هذه الرؤية بقدر أكبر من المرونة، وهي الأكثر قبولًا بين علماء اللغة المعاصرين. وترى النسبية اللغوية أن اللغة تؤثر فعلًا في الطريقة التي نرى بها العالم، لكنها لا تضع حدودًا مطلقة للتفكير. فاللغة تعمل أشبه بـ“مرشح” أو اتجاه يوجّه الانتباه. وتجعل البنية اللغوية المتحدثين أكثر اعتيادًا على ملاحظة جوانب معينة من الواقع دون غيرها، لكنها لا تمنعهم من فهم المفاهيم غير المألوفة من خلال الشرح والتعلم الإضافي.
الألوان والمكان والواقع: أدلة من الحياة اليومية
لماذا تبدو هذه النظرية مثيرة للاهتمام إلى هذا الحد؟ لننظر إلى مثال واقعي يتعلق بإدراك الألوان. ففي اللغة الإنجليزية، تُستخدم كلمة “blue” بصورة عامة للإشارة إلى درجات مختلفة من اللون الأزرق. أما اللغة الروسية فتستخدم مصطلحين أساسيين مختلفين: goluboy للدلالة على الأزرق الفاتح، وsiniy للدلالة على الأزرق الداكن.
وقد أظهرت بعض الدراسات أن المتحدثين باللغة الروسية يميلون إلى التمييز بين درجات اللون الأزرق بسرعة أكبر من المتحدثين باللغة الإنجليزية، لأن أدمغتهم اعتادت منذ سن مبكرة على تصنيف هذين اللونين بصورة مختلفة. ويقدم ذلك دليلًا على أن التصنيفات أو التسميات اللغوية التي نمتلكها يمكن أن تمنحنا ميزة معرفية في إدراك التفاصيل الموجودة في العالم المادي.
وينطبق الأمر نفسه على العلاقة بين اللغة والثقافة. فكلتاهما مترابطتان بصورة وثيقة، ويصعب الفصل بينهما. ويمكن للاختلافات في البنية اللغوية أن تعكس اختلافات في نظرة المتحدثين إلى العالم. فعلى سبيل المثال، تمتلك اللغة الإندونيسية، في مجتمع ذي تراث زراعي قوي، عدة مصطلحات مختلفة مرتبطة بالأرز، مثل padi وgabah وberas وnasi. بينما تستخدم اللغة الإنجليزية، في كثير من السياقات الأوروبية أو غير الزراعية، كلمة “rice” بصورة أساسية للإشارة إلى مفاهيم متعلقة بالأرز تميّز اللغة الإندونيسية بينها لغويًا. وهذا يوضح كيف يمكن لأهمية شيء معين داخل ثقافة ما أن تنعكس في مفرداتها اليومية وأنماط التفكير فيها.
النقد والمنظور الحديث
على الرغم من أن أفكار سابير-وورف كان لها تأثير كبير في تطور العلوم الاجتماعية، فإن العلوم الحديثة تقدم بعض الملاحظات المهمة بشأنها. فالرؤية الحتمية القوية التي ترى أن اللغة تحاصر التفكير البشري لا تحظى عادةً بدعم قوي من الأدلة التجريبية. فقد أثبت الإنسان قدرته على فهم المفاهيم الجديدة من خلال التعلم، حتى عندما لا تحتوي لغته الأم على كلمة محددة للدلالة عليها.
ويميل معظم علماء اللغة اليوم إلى تبني التفسير الأضعف للنظرية. فمن ناحية، يمكن للغة أن تؤثر بصورة دقيقة في عملياتنا المعرفية، ولكنها من ناحية أخرى لا تقيد قدرتنا على التفكير بشكل كامل. ويرتبط ذلك أيضًا بنظرية النحو التوليدي التي طرحها نعوم تشومسكي، والتي تفترض أن الإنسان يمتلك قدرة فطرية على اللغة تمكنه من إنتاج وفهم عدد غير محدود من الجمل، رغم أن مفرداته والقواعد النحوية التي يعرفها محدودة. فنحن قادرون على تخيل أشياء قد لا نستطيع التعبير عنها بسهولة بالكلمات، إلا أن الكلمات التي نمتلكها قد تجعل بعض مسارات التفكير أكثر سهولة وأكثر اعتيادًا.
لماذا يهمنا هذا الأمر؟
إن فهم فرضية سابير-وورف يذكّرنا بأن الكلمات التي نستخدمها كل يوم هي أدوات شديدة القوة. فهي تساعدنا على تسمية مشاعرنا، وتنظيم خططنا، وتحديد الأشياء التي ننتبه إليها عندما نتحرك وسط الزحام. وعندما ندرك أن لغتنا تؤثر في أنماط تفكيرنا، فإن ذلك يدعونا إلى مزيد من التواضع الفكري. فنحن نبدأ في إدراك أن الطريقة التي ننظر بها إلى العالم ليست سوى واحدة من آلاف الطرق التي تقدمها اللغات المختلفة المنتشرة في أنحاء الكوكب.
ومن خلال تعلم لغة جديدة، فإننا لا نتعلم فقط كيفية التواصل مع أشخاص جدد، بل نتعلم أيضًا طريقة جديدة لرؤية العالم من حولنا، والشعور به، وتقديره.
فما اللغة التي تشكّل طريقة تفكيرك اليوم؟
المراجع:
Sapir, E. (1921). Language: An introduction to the study of speech. Harcourt, Brace.
Whorf, B. L. (1956). Language, thought, and reality: Selected writings of Benjamin Lee Whorf (J. B. Carroll, Ed.). MIT Press.
Gumperz, J. J., & Levinson, S. C. (Eds.). (1996). Rethinking linguistic relativity. Cambridge University Press. [1]
Lucy, J. A. (2015). Sapir-Whorf hypothesis. In International Encyclopedia of the Social & Behavioral Sciences (2nd ed., Vol. 20, pp. 903–906). Elsevier. [1]
مصدر الصورة: تم إنشاؤها باستخدام ChatGPT Images (OpenAI)، 2026.
