تتبّع دلالات الازدواجية وأثرها في تواصلنا
تتبّع دلالات الازدواجية وأثرها في تواصلنا

كتبه: أنديكا براتام

تُعد اللغة الأداة الأساسية التي نستخدمها يوميًا للتعبير عن أفكارنا ومشاعرنا للآخرين في حياتنا الاجتماعية. وغالبًا ما نفترض أن ما نقوله سيصل إلى المتلقي بالمعنى نفسه الذي نقصده، لا سيما عندما نستخدم كلمات شائعة ومعروفة على نطاق واسع. غير أن عملية التواصل لا تسير دائمًا بسلاسة؛ فاللغة تتميز بالمرونة، وقد تصبح أحيانًا مصدرًا للالتباس إذا لم يُفهم السياق الذي وردت فيه بشكل صحيح.

ويُعرف هذا الظاهرة في الدراسات اللغوية باسم الالتباس الدلالي، وهو حالة تكون فيها للكلمة أو الجملة أكثر من دلالة محتملة، مما يؤدي إلى اختلاف في التفسير. وإذا لم نكن دقيقين في تحديد المعنى المقصود، فمن السهل أن يحدث سوء فهم، وقد تصبح الرسالة المراد إيصالها غامضة أو تنحرف عن الهدف الأصلي.

ومن أكثر أنواع الالتباس التي تسبب الحيرة المشترك اللفظي (Homonimi)، ويحدث عندما تكون للكلمة صورة واحدة، بينما تحمل معاني مختلفة تمامًا ولا تربط بينها علاقة دلالية مباشرة. ومن الأمثلة على ذلك كلمة «bisa» في اللغة الإندونيسية، التي تحمل معنيين مختلفين تمامًا: سمّ الأفعى، والقدرة على القيام بشيء ما. ويتعين على الدماغ أن يقوم بعملية اختيار سريعة، لأن المعنيين يتنافسان على جذب الانتباه داخل الذاكرة العاملة. وقد يؤدي هذا التنافس بين المعاني غير المرتبطة إلى إبطاء عملية التعرف على الكلمة، إذ يتعين على الدماغ استبعاد المعنى غير المقصود للوصول إلى الفهم الكامل.

وهناك أيضًا نوع من الالتباس يرتبط بالشكل المكتوب أو المنطوق للكلمات، ومنه المتجانسات الكتابية (Homographs) والمتجانسات الصوتية (Homophones). ويُقصد بالمتجانسات الكتابية الكلمات التي تتطابق في الكتابة، لكنها قد تختلف في النطق والمعنى بحسب السياق. ومن أمثلتها كلمة «apel» في اللغة الإندونيسية، التي تُكتب بالطريقة نفسها، لكنها قد تشير إلى الفاكهة، أو إلى مراسم رفع العلم التي تُقام في الساحة.

أما المتجانسات الصوتية، فتظهر في كلمات مثل «sanksi» و**«sangsi»، أو «bank» و«bang»**، حيث قد تتشابه هذه الكلمات في النطق، لكنها تختلف تمامًا في الكتابة والمعنى. ولذلك يعتمد المستمع بدرجة كبيرة على السياق الكامل للجملة لتحديد ما إذا كان المتحدث يشير إلى مؤسسة مالية، أم يخاطب الأخ الأكبر في سياق غير رسمي.

ولا يقتصر الالتباس على شكل الكلمة، بل قد ينشأ أيضًا نتيجة العلاقة الهرمية بين الكلمات العامة والكلمات الخاصة. ويُعرف هذا في علم اللغة بمفهوم الاشتمال الدلالي (Hyponymy). فكلمة «bunga» في اللغة الإندونيسية يمكن أن تكون مصطلحًا عامًا أو لفظًا أعلى (Hypernym) يشمل أنواعًا محددة من الزهور، مثل الورد والياسمين. غير أن كلمة bunga يمكن أن تُستخدم أيضًا في تعبيرات مجازية، مثل bunga desa وbunga bank. ويظهر الغموض في الإحالة عندما يستخدم المتحدث مصطلحًا عامًا جدًا في موقف يحتاج إلى تفاصيل أكثر تحديدًا لتجنب الالتباس. فقد يتخيل المستمع شيئًا مختلفًا عما يقصده المتحدث بسبب اتساع المجال الدلالي للكلمة وعدم تحديده بصورة كافية.

وهناك أيضًا نوع آخر من العلاقات الدلالية بين الكلمات، يتمثل في تعدد المعاني المرتبطة ببعضها، ويُعرف باسم تعدد المعاني (Polysemy). ويُعد هذا النوع من الالتباس أكثر تعقيدًا؛ فعلى سبيل المثال، يمكن للكلمة الإندونيسية «mata» أن ترد في تعبيرات مثل mata pisau، أي «حدّ أو طرف السكين»، أو mata air، أي «نبع الماء». وعلى الرغم من اختلاف المعنيين، فإن بينهما ارتباطًا دلاليًا يقوم على مفهوم مركزي يتمثل في كون «الماء» أو «الحد» جزءًا أساسيًا في بنية أو وظيفة معينة.

ويتعامل الدماغ البشري مع تعدد المعاني بطريقة تختلف عن تعامله مع المشترك اللفظي المسبب للالتباس، ويكون أكثر قدرة على التكيف معه. فوجود معانٍ متعددة مترابطة للكلمة الواحدة قد يسهّل عملية التعرف عليها، لأن هذه المعاني تشكل شبكة دلالية غنية ومترابطة داخل الذاكرة. ويحدث هذا التفوق في معالجة الكلمات متعددة المعاني لأن المعاني المرتبطة تتداخل داخل المجال الدلالي للدماغ، مما يؤدي إلى تكوين منطقة تنشيط أكثر استقرارًا.

ولا يتوقف الالتباس عند المستوى المعجمي، بل يمتد أيضًا إلى المستوى التركيبي أو مستوى الجملة. فعلى سبيل المثال، تحتوي الجملة الإندونيسية «Dukun beranak di ruang tamu» على التباس تركيبي. فقد تُفهم على أن «القابلة» تقوم بمساعدة امرأة على الولادة في غرفة المعيشة، أو قد تُفهم على أن القابلة نفسها هي التي تلد في غرفة المعيشة. ويسمح البناء النحوي غير المحدد، في غياب علامات واضحة تحدد وظائف الفاعل والمفعول والعلاقات بين مكونات الجملة، بظهور تفسيرين مختلفين تمامًا للعبارة نفسها. ويظهر هذا النوع من الالتباس بصورة أكبر في اللغة المكتوبة، لأنها تفتقر إلى نبرة الصوت ومواضع التوقف التي تساعد عادةً على توضيح المعنى.

ومن الأمثلة الأخرى الجملة الإندونيسية: «Istri kapten yang tidak setia itu ditembak mati»، والتي يمكن أن تحمل أكثر من تفسير. فالتفسير الأول قد يفهم منها أن القبطان هو الشخص غير الوفي وأنه هو الذي قُتل. أما التفسير الثاني فيفهم منها أن زوجة القبطان هي التي كانت غير وفية وأنها هي التي أُعدمت. ولتحديد الفرق بين هذين التفسيرين بصورة أكثر دقة، نحتاج إلى إجراء تحليل تركيبي للجملة وعلاقات مكوناتها.

وفي نهاية المطاف، فإن هذه الظاهرة، التي نواجهها بصورة شائعة في حياتنا اليومية، تعلمنا ألا نتسرع في الحكم على قصد شخص ما اعتمادًا على كلمة واحدة أو جملة مقتطعة من سياقها. فتنوع المعاني يثري القدرة البشرية على التعبير، لأنه يتيح لنا نقل مشاعر وأفكار معقدة بدرجة عالية من الكفاءة، وإن كان يحمل في الوقت نفسه احتمال وقوع سوء الفهم.

المراجع

Lumbantobing, S. T. W., & Damanik, B. A. R. (2025). Semantic ambiguity affects interpretation in everyday conversations. Young Journal of Social Sciences and Humanities, 1(2), 151–158.

Rodd, J. M., Gaskell, M. G., & Marslen-Wilson, W. D. (2002). Making sense of semantic ambiguity: Semantic competition in lexical access. Journal of Memory and Language, 46, 245–266.

Rodd, J. M., Gaskell, M. G., & Marslen-Wilson, W. D. (2004). Modelling the effects of semantic ambiguity in word recognition. Cognitive Science, 28(1), 89–104.

Suwama. (1993). Struktur logika kalimat ambiguitas: Tinjauan semantik generatif. Cakrawala Pendidikan, 12(2), 75–87.

Syavika, N., Rahayu, W., & Fatmawati. (2026). Representasi mental ambiguitas semantik pada teks naratif dan implikasinya terhadap pemahaman bacaan di kalangan remaja. Socius: Jurnal Penelitian Ilmu-Ilmu Sosial, 3(6), 271–277.

مصدر الصورة: Freepik