التصرّف انطلاقًا من القيم لا من المشاعر
الكاتب: جاسميكو (Jasmiko)
القيم والمشاعر أمران مختلفان، ويختلف أثر كلٍّ منهما عندما نتخذه أساسًا لاتخاذ قرار أو القيام بتصرف معين. وبوجه عام، يمكن تعريف القيم بأنها معايير أو مقاييس أو معانٍ أو معتقدات نسبية تتعلق بما يُعدّ جيدًا ونافعًا وصحيحًا وذا قيمة، وهي التي تسهم في توجيه سلوك الإنسان وقراراته. أما المشاعر، كما نعلم، فهي تجارب واعية داخلية وذاتية تنشأ نتيجة تفسير العقل لحدث ما، أو لحالة جسدية، أو لانفعال معين.
من السهل جدًا أن تتغير المشاعر. فقد نشعر في صباح مشرق بالحماس للقيام بالكثير من الأمور، لكن مشاعرنا قد تتغير في لحظة عندما يعلّق شخص آخر، على سبيل المثال، على مظهرنا. إن المشاعر سريعة التغير إلى هذا الحد؛ فلو شبّهناها بشيء مادي، لربما شبّهناها بالماء الذي يتغير شكله بسهولة وفقًا للإناء الذي يحتويه. والمشاعر أيضًا استجابات للمواقف، وليست معيارًا لتحديد ما هو صواب. فالشعور بالكسل لا يثبت أن العمل غير مهم، والشعور بالغضب لا يعني أن شخصًا آخر يستحق الانتقام. لقد أجّلنا جميعًا بعض المهام لأننا «لم نكن في مزاج مناسب»، أو رددنا على الرسائل بانفعال ثم ندمنا على ذلك، أو تغيبنا عن المحاضرات لمجرد أن صباحًا معينًا بدا ثقيلًا علينا. وفي جميع هذه المواقف، تتولى المشاعر زمام القيادة، مع أنها لم تُصمَّم لتكون هي القائد.
يتناول ستيفن ر. كوفي في كتابه العادات السبع للناس الأكثر فعالية هذه المسألة بوضوح في العادة الأولى، وهي أن يكون الإنسان مبادرًا. ويميّز كوفي بين نوعين من الناس. فالأشخاص التفاعليون تحركهم مشاعرهم وظروفهم والأحوال المحيطة بهم. فالطقس الجيد يجعلهم أكثر حماسًا، والطقس السيئ يجعلهم مكتئبين، وطريقة معاملة الآخرين لهم تحدد كيفية تعاملهم معهم. أما الأشخاص المبادرون، فيسترشدون بقيم تأملوا فيها بعناية، واختاروها بوعي، ثم جعلوها جزءًا من شخصياتهم. بل إن كوفي يلفت الانتباه إلى اللغة التي يستخدمها كل من الفريقين. فالأشخاص التفاعليون يميلون إلى قول: «هو يجعلني غاضبًا» أو «لا أستطيع»، وكأنهم مجرد ضحايا لظروفهم، بينما يقول الأشخاص المبادرون: «أنا أختار» و«سأفعل».
ويقوم أساس هذه الفكرة على مفهوم المساحة الفاصلة بين المثير والاستجابة. ويستند كوفي إلى أفكار فيكتور فرانكل، الطبيب النفسي الذي نجا من معسكرات الاعتقال النازية. فقد أدرك فرانكل أنه عندما سُلبت منه جميع حرياته الخارجية، ظل يمتلك أمرًا واحدًا لا يستطيع أي شخص أن ينتزعه منه، وهو الحرية في اختيار كيفية الاستجابة لما يحدث له. وفي هذه المساحة تحديدًا تؤدي القيم دورها. فالمشاعر تأتي بوصفها مثيرات، بينما تساعدنا القيم على تحديد الاستجابة التي نختارها. ولهذا تشبه القيم مرساة السفينة؛ فقد تتعاقب الأمواج، لكن السفينة لا تنجرف بعيدًا عن مسارها. وعلى خلاف الهدف الذي يمكن تحقيقه ثم الانتهاء منه، تمنحنا القيم اتجاهًا نواصل السير فيه. فنحن لا ننتهي أبدًا من أن نصبح أشخاصًا صادقين، وإنما نواصل اختيار الصدق في مواقف مختلفة.
ومع ذلك، فإن التصرف وفقًا للقيم لا يعني معاداة المشاعر. فالمشاعر معلومات وليست أوامر. إن الشعور بالتعب يخبرنا بأن أجسادنا تحتاج إلى الراحة، والشعور بعدم الارتياح قد يشير إلى أن حدًّا من الحدود قد تم تجاوزه، أما الحزن فيكشف لنا أن هناك شيئًا ذا قيمة بالنسبة إلينا. وما ينبغي تغييره هو طبيعة علاقتنا بمشاعرنا. يمكننا الإصغاء إليها دون أن نضطر إلى الانصياع لها. ويمكننا أن نقول: «أشعر بالكسل، وهذا أمر طبيعي»، ثم نسأل أنفسنا: «ما الذي يهمني حقًا اليوم؟». فالاعتراف بالمشاعر واختيار الأفعال خطوتان يمكن القيام بهما في الوقت نفسه.
ويوضح كوفي أن هذه القدرة ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالعادة الثالثة، وهي تقديم الأمور الأهم على ما سواها. فبحسب رؤيته، تتعلق العادتان الأولى والثانية بالإنشاء الذهني، بينما تمثل العادة الثالثة التطبيق العملي لذلك في الحياة اليومية. وهنا تُختبر الإرادة الحرة، لأن علينا القيام بما هو مهم حتى عندما تدفعنا حالتنا المزاجية إلى الرغبة في شيء آخر. ويؤكد كوفي أن الأشخاص الفعّالين لا ينظمون حياتهم وفقًا للدوافع العابرة، بل وفقًا لما يحمل أكبر قدر من المعنى بالنسبة إليهم. ومن منظور كوفي، تُقاس النزاهة أيضًا بمدى وفائنا بالتزاماتنا، لا بمدى خضوعنا لمشاعرنا المتغيرة.
ويتجلى الصراع بين القيم والمشاعر بوضوح في مواقف الحياة اليومية. فقد تبدو الكذبة أسهل لأنها تجنبنا الصراع وتحافظ على أجواء هادئة، لكن الشخص المتمسك بقيمة الصدق سيظل يقول الحقيقة بأسلوب مهذب، حتى لو كانت هناك عواقب مختلفة تنتظره. وقد يعود الأب من عمله، ويرغب جسده في الاستلقاء والراحة مباشرة، بينما ينتظر طفله أن يحكي له قصة، ويحتاج شريك حياته إلى من يصغي إليه. وهنا تدفعه قيمة المحبة والاهتمام إلى الحضور، حتى وإن لم تتبقَّ لديه سوى نصف طاقته. وعندما نشعر بخيبة الأمل تجاه المسؤول أو تجاه ظروف العمل، قد تظهر لدينا رغبة في أداء العمل بصورة عشوائية أو غير متقنة، لكن قيمة المسؤولية تذكّرنا بأن جودة عملنا تعكس شخصيتنا، وليست مكافأة نقدمها لشخص آخر. وفي الحالات الثلاث، لا تختفي المشاعر، وإنما تفقد دورها في اتخاذ القرار النهائي.
ويمكن تنمية هذه القدرة من خلال التدريب والممارسة. تتمثل الخطوة الأولى في تحديد القيم الشخصية، وذلك بكتابة ثلاث إلى خمس قيم نؤمن بها إيمانًا راسخًا. وقد شجّع كوفي على صياغة رسالة شخصية للحياة، لأن القيم التي لم تتم صياغتها بوضوح يصعب اتخاذها مرجعًا نهتدي به. وتتمثل الخطوة التالية في التمهل قبل رد الفعل؛ إذ ينبغي أن نلاحظ المشاعر التي تظهر لدينا، وأن نسميها بوضوح، مثل: «أنا منزعج» أو «أنا قلق»، ثم نسأل أنفسنا: «ما القيمة التي أريد التمسك بها الآن؟». وقد تكون بضع ثوانٍ من التمهل كافية لتغيير مسار تصرفاتنا. لنبدأ بالأمور الصغيرة، مثل الوفاء بالوعود، والاستيقاظ في الوقت المحدد، والرد بهدوء. ويشير كوفي إلى أن قطع الوعود والوفاء بها، مهما كانت بسيطة، يمثلان جوهر تنمية المبادرة، وأن الثبات على الأمور الصغيرة يبني القدرة على اتخاذ القرارات الكبيرة. وأخيرًا، ينبغي أن نقيّم أنفسنا بانتظام. ففي نهاية كل أسبوع، لنسأل أنفسنا: هل كانت تصرفاتنا منسجمة مع القيم التي نؤمن بها؟ وفي أي المواقف اكتفينا باتباع حالتنا المزاجية؟
هناك بعض المفاهيم الخاطئة التي ينبغي تجنبها. فالتصرف وفقًا للقيم لا يعني كبت المشاعر أو إنكارها، لأن المشاعر التي ندفنها دون الاعتراف بها قد تنفجر في أوقات غير مناسبة. والمبادرة، وفقًا لكوفي، لا تعني العناد، بل تعني تحمّل المسؤولية عن اختياراتنا. كما أن العيش وفقًا للقيم لا يعني الجمود أو انعدام التعاطف. فالقيم التي تُطبَّق دون حساسية تجاه الآخرين قد تتحول إلى مبرر للقسوة. والشخص الذي يدّعي أنه «صريح» لكنه يجرح الآخرين دون مراعاة لمشاعرهم، إنما يغفل قيمة أخرى مهمة، وهي الرحمة. ويذكّرنا كوفي أيضًا بأهمية الموازنة بين الشجاعة ومراعاة الآخرين. وإضافة إلى ذلك، ينبغي مراجعة قيمنا من وقت إلى آخر. فبعض القيم التي نتبناها ورثناها عن بيئتنا دون أن نفحصها أو نتساءل عنها. ولذلك، فإن التصرف وفقًا للقيم يتطلب الشجاعة لطرح السؤال التالي: هل هذا معتقد أؤمن به حقًا، أم أنه مجرد عادة؟
في نهاية المطاف، تمنح المشاعر الحياة ألوانها، بينما تمنحها القيم اتجاهها. وكلاهما ضروري، لكنهما ليسا متساويين في أحقيتهما بتولي زمام القيادة. فعندما تتقلب أمزجتنا، تساعدنا القيم على مواصلة السير في الاتجاه الذي اخترناه لأنفسنا. لذلك، قبل اتخاذ قرارك القادم، حاول أن تسأل نفسك: ما القرار الذي سأتخذه اليوم انطلاقًا من القيم التي أؤمن بها، لا استجابةً لحالتي المزاجية؟
مصدر الصورة: Pexels
